
مركز_أمية_للبحوث_والدراسات_الاستراتيجية_مقالات_تاريخية_محمد_فاروق_الإمام_حماة_وعائلة_الأسد_تاريخٌ_مِنَ_الدم_ومذبحةٌ_مُرَوِّعة_(1-2)
تُعد مجزرة حماة عام 1982 واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخ سورية الحديث. حيث شهدت المدينة، التي كانت تعيش في هدوء نسبي، انهياراً مروعاً على يد نظام البعث. استمرت المجزرة لمدة 27 يوماً، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتهجير الكثير من السكان. تعكس هذه الأحداث الوحشية النضال المستمر للشعب السوري ضد الظلم والاضطهاد. كما تُظهر كيف يمكن أن تتحول المجتمعات الآمنة إلى ساحات للدمار. تستمر الذكريات المؤلمة لتلك الفترة في التأثير على الأجيال اللاحقة، وتبقى حماة رمزاً للمقاومة. إن هذه المجزرة ليست مجرد حادثة تاريخية، بل هي جزء من الهوية السورية المعاصرة.
مجزرة حماة:أكثر الأحداث دموية في تاريخ سورية الحديث
ثلاثةٌ وأربعون عاماً مرَّت على مجزرة حماة، والتي وصفها كتاب صَدَرَ بعد حصولها لتوثيقها من المعارضة السورية بعنوانه الذي يحمله: ’’حماة مأساة العصر‘‘. أعادت الصور التي وردت من حماة بعد المذبحة، والتي بدأت في 2 شباط / فبراير 1982م واستمرت حتى نهاية الشهر نفسه، أعادت صور تاريخية عن هولاكو والمغول من بطون الكتب إلى واقع معاش عاشته حماة، المدينة الوادعة والتي تقع في وسط سورية وبتعداد سكاني في حينها يصل إلى 750000 نسمة، ويمر فيها نهر العاصي الشهير ليقسمها إلى نصفين: الحاضر والسوق.
وعلى امتداد نهر العاصي الجميل تنتشر نواعير حماة، والتي اشتهرت بها المدينة وكانت تستخدم لسقي المزارع والبساتين، كما كانت مزاراً لأهل المدينة في مواقعها المختلفة والممتدة عَبْرَ حماة، ليتعلق بها الشبان والرجال فيصعدون إلى أعلاها ثم يقفزون في النهر بمهارة وجرأة اشتهروا بها.
كانت حماة مدينة محافظة، عُرِفَ عن نسائها الحشمة والحياء، وعن رجالها التدين والكرم والشجاعة والجرأة وأحياناً الاندفاع.
أحداث المجزرة
في الثاني من شهر شباط من عام 1982م وقعت المجزرة المرعبة في مدينة حماة السورية، واستمرت 27 يوما، نفَّذتها عِدة فِرَق وألوية من الجيش البعثي الأسدي، وعلى رأسها قوات سرايا الدفاع التي يقودها مجرم الحرب رفعت الأسد شقيق المجرم الأكبر حافظ الأسد، بهدف القضاء على ثورة الرافضين للعبودية لآل الأسد، وأدت وفقاً لعدة روايات إلى استشهاد نحو 40 ألف شخص وأكثر من 17 ألف مفقود، وتهجير ثُلث سكانها.
لم تكن أحداث عام 1982م مفصولة عن العقدين الأخيرين اللذين سبقا المجزرة وما حدث فيهما في سورية عامة ومدينة حماة خاصة، إذ عَجّت تلك الفترة بصدامات ومواجهات وقتل واعتقالات شملت كل فئات المعارضة، بدأت بعد انقلاب حزب البعث على الحُكْمِ وتوليه السلطة في الثامن من آذار 1963م.
الأحداث السابقة للمجزرة
وكانت أبرز تلك المواجهات أحداث عام 1964م أو ما يُعرف في حماة بـ ’’أحداث جامع السلطان‘‘ حين حدثت هَبَّة شعبية في مدينة حماة وعدة مدن سورية أُخرى اعتراضاً على حُكْمِ البعث، واجهها الجيش السوري بتدخل عسكري ومحاصرة للجامع وقصف مئذنته، مما تسبب في مقتل عشرات المدنيين في حماة، وفق شهادة الرئيس السوري في ذلك الوقت أمين الحافظ في برنامج ’’شاهد على العصر‘‘ في قناة الجزيرة.
تتابعت الأحداث مع انقلاب حافظ الأسد على الحُكْمِ في عام 1970م وبدء حملة الاعتقالات في صفوف المعارضين، ومن ثم إقراره دستوراً جديداً عام 1973م، منح فيه نفسه صلاحيات واسعة، وجعل السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية بيده، فقامت مظاهرات واحتجاجات في المدينة عُرِفَت بـ ’’أحداث الدستور‘‘، وأدَّت إلى اعتقالات كثيرة في صفوف المعارضة لحزب البعث.
بعد عدة سنوات ونتيجة قتل واغتيال عدد من أبناء المدينة، بدأت سياسة مجموعة مسلحة من المعارضة تعرف باسم ’’الطليعة المقاتلة‘‘ تتحول إلى اغتيال شخصيات ذات مناصب في الدولة، وأدى ذلك إلى زيادة الاعتقالات والملاحقات والاغتيالات، وفي 16 يونيو / حزيران 1979م هاجمت تلك المجموعة المسلحة مدرسة المدفعية في حلب التي كانت حِكْراً على العلويين طائفة حافظ الأسد، وقتلت عشرات منهم، فحمّلت الدولة جماعة الإخوان المسلمين المسؤولية عما حدث، رغم صدور بيان عن الجماعة تتبرأ فيه من العملية مُنددةً بما قامت به تلك المجموعة.
القانون 49 ومجزرة تدمر
تلت العملية محاولة فاشلة لاغتيال حافظ الأسد يوم 26 يونيو / حزيران 1980م، فاتُّهِمَ بها جماعة الإخوان المسلمين أيضا، ورد عليها بالانتقام من السجناء في سجن تدمر، إذ نفَّذت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد مجزرة في السجن وقتلت ما يزيد على ألف سجين جُلَّهُم علماء ومفكرون ومهندسون وأطباء وطلبة جامعات.
وبعد عدة أيام، وتحديداً يوم 7 يوليو / تموز، صدر مرسوم تشريعي رقم 49 لعام 1980م سُمِّيَ بـ ’’قانون العار‘‘ يحظر الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وجاء في نَصِّه ’’يُعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين‘‘، وبذلك أُبِيح ارتكاب المجازر بحجة القضاء على تنظيم الإخوان المسلمين.
حصار حماة
وكانت حماة في ذلك الوقت تضم عدداً كبيراً من المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى أنها مدينة انتفضت عدة مرات رفضاً لِحُكْمِ البعث والأسد، وفي منتصف عام 1981م خططت ’’الطليعة المقاتلة‘‘ بالتنسيق مع مجموعة من ’’الضباط الأحرار‘‘ للانقلاب على الحُكْمِ، لكن ذلك لم يتم، وبلغ الأمر لحافظ الأسد فقرر في اجتماع مع قادته اجتياح المدينة.
حاصرت قوات من أجهزة الأمن والجيش مدينة حماة في نهاية يناير / كانون الثاني 1982م، وتمركزت بعض القوات في مناطق داخل المدينة، وشاركت في تلك المجزرة:
قوات سرايا الدفاع، وهي مجموعة عسكرية قوامها 12 ألف جندي بقيادة مجرم الحرب رفعت الأسد، تمركزت في عدة مناطق بالمدينة، في حين اجتمع العدد الأكبر منها حول المدينة لحصارها.
قوات الوحدات الخاصة بقيادة المجرم علي حيدر، وشاركت بالأسلحة الثقيلة والدبابات والمدفعية، كما أسهمت في تطويق المدينة.
الكتائب الحزبية، وهي تتكون من أشخاص مدنيين دُرٍّبوا على حمل السلاح، ينتسب معظمهم إلى حزب البعث وتمركزوا داخل المدينة وحولها.
قوات فرع الأمن العسكري في حماة.
قوات أمن الدولة.
قوات الأمن السياسي تمركزت على طريق حلب.
قوات اللواء 47 دبابات، وقد عُزّز بقوات إضافية قبل المجزرة.
سرايا الصراع، وشاركت بـ4500 عنصر، وتَركَّز دورها في المشاركة في عمليات الاقتحام والقصف.
اللواء 21 ميكانيك والفرقة المدرعة الثالثة بقيادة شفيق فياض، وكانا تحت قيادة سرايا الدفاع.
أحكمت القوات المشاركة حصار المدينة، وقطعت عنها الماء والكهرباء والاتصالات، وفرضت حظر تجول بهدف عزل المدينة ومنع الحركة فيها، ثم بدأت العملية العسكرية.
بداية الاقتحام
وفي الثاني من فبراير / شباط 1982م، ووفقاً لشهادات من عاشوا المجزرة، حاولت قوات الأسد اقتحام المدينة لكن حدثت اشتباكات مع مسلحين امتدت لعدة ساعات في عدة أحياء، مما دفع القوات المقتحمة للانسحاب خارج المدينة وبدء القصف العشوائي والكثيف بالمدافع والرشاشات والطائرات.
أصاب القصف كافة أحياء المدينة من دون تمييز بين المدنيين والمسلحين والبيوت وأماكن العبادة، وأدى في أقل من يومين إلى تدمير كُلي أو جزئي لعشرات المساجد والكنائس والأحياء السكنية، إضافة إلى سقوط أعداد كبيرة بين قتيل وجريح.
حاول المدنيون خلال عمليات القصف والاشتباكات الهرب من المدينة جَرياً، ونجحت أعداد قليلة قُدِّرت بالمئات في الهرب باتجاه القرى والمناطق المحيطة، وذكر شهود عيان أنهم عبروا فوق عشرات الجثث المرمية في شوارع المدينة أثناء عملية الخروج، في حين التجأ سكان المدينة إلى الأقبية.
الاقتحام البري
صباح يوم الرابع من فبراير / شباط 1982م بدأت مرحلة الاقتحام البري الذي نفَّذته دبابات اللواء 47، إذ توزعت بين دبابات في نقاط ثابتة وأخرى متحركة في شوارع المدينة، وقصفت جميعها أحياء المدنيين ومنازلهم، كما نصبت القوات التي اجتاحت المدينة راجمات صواريخ وقاذفات هاون على بعض الأبنية لقصف أحياء مختلفة.
وخلال الأيام العشرة الأولى من منع التجول، تعرضت الأحياء السكنية في منطقة السوق للتفتيش ثلاث مرات، في المرتين الأولى والثانية اختبأ الرجال المدنيون خوفاً من الاعتقال، لأنه سبق أن تعرَّض رجال قبل الأحداث لاعتقال على حواجز من دون أي سبب، إلا أن التفتيش كان مسالماً ولم يتعرض للمدنيين، وإنما كان بِحُجَّةِ البحث عن مطلوبين والسؤال عن أفراد العائلة بشكل عام.
وفي المرة الثالثة، ووفق شهود عيان لم يختبئ الرجال المدنيون لأنهم شعروا بالاطمئنان بعد التفتيشين الأول والثاني، لكن التفتيش الثالث كان همجياً، حيث اعتقل كل الرجال في البيوت التي فُتِّشَت، وحدثت حوادث اغتصاب وقتل ونهب وتخريب للبيوت.
عمليات الإعدام
ونفَّذت عمليات إعدام ميداني فردي وجماعي لمئات الرجال المدنيين والأطفال في أحياء المدينة، إذ كان العناصر يجمعون رجال الحي في نقطة معينة، ثم يعدمونهم رميا بالرصاص فيسقط الرجال بين قتيل وجريح، ولم يتمكن الأهالي في تلك الفترة من إسعاف الجرحى بسبب حظر التجول والحصار الذي أحاط بالأحياء، ولم يكتفِ الجنود بقتل المدنيين، بل نَكَّلوا بعددٍ من الجرحى وفق شهود عيان، وقُتلت عائلات كاملة في تلك الفترة لانتماء فرد أو عدة أفراد منها لتنظيم الإخوان المسلمين.
وتروي إحدى الممرضات أن عناصر الأمن دخلوا غرف المستشفى وقَتلوا المرضى فيه، ورافقت ذلك عمليات تنكيل واستخدام للسلاح الأبيض وذبح وبقر لبطون الحوامل، وحُوصِر المستشفى وقُتل كل جريح كان يُنقل إليه، وأُجْبِر الفريق الطبي على معالجة جرحى قوات الجيش فحسب.
وبعد السيطرة على نصف المدينة الأول، أو ما تُسمى بمنطقة ’’السوق‘‘، تركز القصف على نصف المدينة الثاني وهي منطقة الحاضر، وتابعت قوات الأمن عمليات اقتحام الأحياء في كل المناطق وتمشيطها، وأعدمت عوائل كاملة بنسائها وأطفالها مثل عوائل الدباغ والأمين وموسى والعظم والشققي وغيرهم.
غير أن الاشتباك استمر في بعض أحياء المدينة حتى يوم 23 فبراير / شباط 1982م، فانتهجت قوات الأسد سياسة الأرض المحروقة مع هذه الأحياء، ودمرتها بالكامل على رؤوس ساكنيها، ولم ينج منها أحد تقريبا، مثل أحياء البارودية والكيلانية والحميدية وغيرها.
الاعتقالات والملاحقات
وخلال فترة المجزرة، استمرت عمليات تفتيش المنازل والاعتداء على ساكنيها، واعتقل عدد كبير من الأهالي على نحو عشوائي، إضافة إلى الاعتقالات التي طالت عائلات بعينها، وحولت بعض الأماكن في المدينة إلى مراكز اعتقال وتعذيب، قبل أن ينقل المعتقلون إلى السجون، وعاش أهالي المدينة في رعب وخوف وتوقع للقتل والاعتقال طوال تلك الفترة، كما تعرضت النساء لاعتداءات مختلفة واغتصاب واعتقال وغيرها.
وفي 28 فبراير / شباط 1982م بدأت بعض المجموعات العسكرية الخروج من حماة والعودة للثكنات، في حين بقيت الحواجز العسكرية في كافة أحياء المدينة، واستمرت عمليات القتل والملاحقة حتى منتصف مارس / آذار من العام ذاته.
رفعت قوات الأسد حظر التجول عن منطقة السوق يوم 28 فبراير / شباط، وعن منطقة الحاضر في الأول من مارس / آذار 1982م، وسُمِحَ للأهالي بالحركة، مع بقاء الحواجز العسكرية داخل المدنية.
يُتبع……..

مركز_أمية_للبحوث_والدراسات_الاستراتيجية_مقالات_تاريخية_محمد_فاروق_الإمام_حماة_وعائلة_الأسد_تاريخٌ_مِنَ_الدم_ومذبحةٌ_مُرَوِّعة_(1-2)

مركز_أمية_للبحوث_والدراسات_الاستراتيجية_مقالات_تاريخية_محمد_فاروق_الإمام_حماة_وعائلة_الأسد_تاريخٌ_مِنَ_الدم_ومذبحةٌ_مُرَوِّعة_(1-2)