الإثنين, مايو 20, 2024
spot_img
الرئيسيةمقالات سياسيةالعقل السياسي الإيراني الحلقة الأولى

العقل السياسي الإيراني الحلقة الأولى

مركز_أمية_للبحوث_والدراسات_الاستراتيجية_مقالات_سياسية_عبد_الستار_الراوي_العقل_السياسي_الإيراني_الحلقة_الأولى

مقدمة في العقل السياسي الإيراني المعاصر

) منطق الفكر ومنهج العمل(

الثورة والدولة؛  ومستويات التلاقي والتقاطع ؛ تعد واحدة من أبرز معاضل التجربة الإيرانية، وهي إشكالية قديمة منذ أن عرف العالم ثورات كبرى سقط فيها النظام السياسي والدولة معا، وكانت هناك مدرسة في الفكر السياسي التي تعتبر الدولة أداة للقمع ودعت لتفكيكها وبنائها على أسس جديدة، كما جرى تناولها في الأدبيات الماركسية بتنوعاتها المختلفة، وبقي موضوع إسقاط الدولة وإعادة بنائها جزءاً من مشروع ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917، والثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، وغيرهما من التجارب الثورية الأخرى.

ولعل معضلة تفكيك الدولة في النظم السياسية ترجع إلى كون التجارب التى نجحت في تفكيكها اضطرت إلى إعادة بنائها مرة أخرى على أسس أيديولوجية تم تصميمها سلفا، بل إن تجربة الثورة البلشفية  في روسيا اضطرت في لحظة تاريخية  فارقة أن تنحاز بقيادة لينين إلى فكرة بناء الدولة والثورة في بلد واحد، لمواجهة رومانسية رفيقه تروتسكي منظر الثورة الدائمة، لكن الفكرة  ظلت حلماً متعاليا .

والثابت أن نجاح أي ثورة في تفكيك الدولة لا يرجع فقط إلى وجود رؤية ثورية تدعو إلى ذلك، إنما أيضا إلى وجود مشروع ثوري قادر على تحمل الثمن الباهظ لخطورة إسقاط الدولة، فالثورة البلشفية في موسكو عرفت حرباً أهلية ضروساً بين الجيش الأحمر والجيش الأبيض الموالي للقيصر، حتى انتصر الأول وسقط مئات الآلاف من الضحايا في هذه الحرب، كما أن آخر الثورات التي أسقطت الدولة، هي الثورة الإيرانية في عام ١٩٧٩، شارك فيها ستة ملايين مواطن ’’من أصل ٣٠ مليوناً‘‘، وسقط فيها حوالى ٧٠ ألف مواطن، وأعدمت ما يقرب من ٦٠ ألف شخص، وامتلكت مشروعاً أيديولوجياً بديلاً أسس بما يعرف بـ’’ولاية الفقيه العامة‘‘.

 ظهرت نظرية (التقية والانتظار)، عقب رحيل الحسن العسكري، وانبثاق فكرة (المهدي) والقول بغيبته الكبرى، حيث حَرَّم المنتظرون الاجتهادَ في مسائل الحياة وقضايا الحكم؛ لأن الاجتهاد من خصائص (الغائب المعصوم، العالم بالعلم الإلهي)، وهي شروط غير متوافرة في العلماء المجتهدين. وقد ظهر اتجاهان داخل الإمامية؛ تبلورا إلى مدرستين في الفقه الإمامي؛ الأولى؛ الإخبارية؛ وقف أتباعها عند ظواهر الأخبار الواردة عن الأئمة، فالحجة عندهم في (الكتاب، والخبر)، ولا يجيزون الاجتهاد وإعمال العقل؛ لأن الاجتهاد ظن، والدين لا يثبت بالظنون؛ ولأن فيما تركه الأئمة في الكتب الأربعة، ثروة فقهية كافية لسد حاجات جميع العصور. وأن ما في تلك الكتب من الأخبار كلها صحيحة، قطعية الصدور عن الأئمة، لا تحتاج إلى النظر والبحث والتحقيق، لا في السند ولا في المتن، فهي عندهم أوثق وأثبت من القرآن الكريم، لذلك حصر بعضهم الحجة في الخبر فقط. وهم يجيزون تقليد الميت؛ لأن الحق لا يتغير بالموت والحياة.

 الأصولية؛ كان من نتائج نظرية (التقية والانتظار) وقوع الإمامية في أزمة فراغ  (تشريعي، وسياسي)، وبالتالي غيابهم عن ساحة الحياة الاجتماعية والسياسية. لكن منذ مطلع القرن الخامس الهجري بدأ موقف الشيعة يتغير ويتطور، شيئاً فشيئاً، فاضطروا إلى فتح باب الاجتهاد، وقالوا بجواز القياس؛ للخروج من تلك الأزمة،. وأطلق على هذا الاتجاه القائلِ بالاجتهاد (الأصولي)، في مقابل  الاتجاه (الإخباري).

ووفقا للمصادر الإمامية فإن الشيخ المفيد، محمد بن نعمان (المتوفى 413هـ)، هو أول من مارس الاجتهاد في الفقه الشيعي  حتى أنه عُدَّ من رواد مدرسة الاجتهاد. ثم تلميذه السيد المرتضى علم الدين (المتوفى 440هـ) فكتب في مسألة الاجتهاد، ونص على جوازه، ويعد كتابه (الذريعة إلى أصول الشريعة) أول نص أصولي شيعي، يقر مبدأ الاجتهاد والقياس؛ لذلك يعد المرتضى مؤسساً للمدرسة الأصولية الاجتهادية، ثم جاء تلميذه محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى 460هـ) فمارس الاجتهاد على أوسع أبوابه، وكتب (المبسوط في فقه الإمامية).

وقد أجاز الأصوليون لأنفسهم الاجتهاد في أثناء غيبة الإمام؛ لأن الحوادث يتجدد وقوعها؛ فلم يقفوا عند الروايات، بل اجتهدوا فيما جد من الحوادث. وهم يرون أن الأدلة  أربعة  هي (الكتاب، والسُنّة، والإجماع، والعقل)، وإن كانوا عملياً لا يأخذون إلا بركنين فقط هما (بالخبر والعقل)، كما أنهم قسموا الحديث (الخبر) إلى (صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف). وأبرز القضايا التي تناولوها  بالاجتهاد: الأمر بالمعروف  والنهي عن المنكر، وتولي القضاء، وإقامة الحدود،  وخمس الإمام، والزكاة، والجهاد، وصلاة الجمعة، ثم الحكم.

ومن يومها وإلى اليوم الصراع قائم بين أتباع المدرستين، وكل فريق يحاول أن يثبت تهافت رأي الفريق الآخر، وإن كان عدد أتباع المدرسة الأصولية أكثر، وصوتهم أعلى، خاصة بعد قيام التجربة الإيرانية.

أما الفرق بين المدرستين : فتنحصر فقط  في الجانب الفقهي، أما جانب العقيدة، فلا فرق بينهما، وهما في ذلك سواء.

النتائج: كان من نتائج فتح باب الاجتهاد:

1ــ تخلي الإمامية عن شرط العصمة والنص في الإمام، وبالتالي التخليّ عن الالتزام بنظرية (التقية والانتظار).

2 ــ القول بنظرية (النيابة العامة) التي ستسمى بعد تطويرها بنظرية (ولاية الفقيه). ومن تدبر في الأمر يرى أنها تحمل في طياتها الاستغناء عن الإمام المعصوم، العالم بالعلم الإلهي.

  وتتبدى في مشروع  آية الله الخميني  عام 1970 حينما كان منفيا في مدينة النجف. وبعض شروط تلك القراءة؛  أنه اعتبر الفقه  كاملا. أي أنه يستطيع أن يقدم  حلولا لجميع مشاكل الحياة، وأن مهمة الحكومة الإسلامية تكمن في تنفيذ أحكام الفقه والشريعة. وأن الحاكم الأعلى للدولة (الولي الفقيه) يجب أن يكون فقيها جامعا للشرائط . قادرا على تنفيذ الأحكام.

أما القراءة الثانية؛ فجاءت عقب نجاح الثورة الإسلامية وتأسيس الحكومة الإسلامية، وبعد أن أصبح الخميني إماما ووليا مرشدا، وبعد أن تمكنت طبقة رجال الدين من بسط نفوذها على مفاصل الدولة وعموم المؤسسات الحكومية، أظهر الخميني قراءته الثانية باعتماد (نظرية ولاية الفقيه المطلقة) وهي الأساس الدستوري للجمهورية الإسلامية منذ عام 1989. وقد برر القفز إلى  الحاكمية الكلية، كما أوردها  فاخر سلطان؛ بالذرائع التالية :

1ـ أن الفقه لا يمكن أن يكون كافيا وكاملا من أجل إدارة الشأن العام.

2ـ أن استقرار واستحكام ’’نظام‘‘الجمهورية الإسلامية هو من أوجب الواجبات. وبالتالي، حينما يظهر أي تعارض بين ’’مصلحة النظام‘‘ وبين أحكام الشرع، فإن الأولوية تكون لصالح الالتزام بمصلحة النظام لا الالتزام بأحكام الشرع.

3ـ أن الحاكم الإسلامي لا يعتبر متخصصا فحسب في الفقه الإسلامي، بل، وأهم من ذلك، لابد أن يكون مسؤولا عن الأمور المتعلقة بتشخيص مصلحة النظام. وهذا التشخيص هو الذي يحدد ما إذا كان يمكنه تعطيل الحكم الشرعي مقابل استمرار الحكم المتعلق بمصلحة النظام.

4ـ أن المهمة الأساسية للحاكم الأعلى للدولة هي الدفاع عن النظام الإسلامي. وإذا ما كان الالتزام بتنفيذ أحكام الشريعة يشكل تهديدا لوجود النظام الإسلامي أو يعرقل ممارسة الحكومة لمهامها، فإن بوسع الولي الفقيه عند الاقتضاء  أن يعطل بعض أحكام الشريعة الإسلامية من أجل استمرار مصلحة النظام.

وعليه، فالولاية هنا ليست للفقه بل للفقيه. وبعبارة أخرى، تنتقل شؤون النبوة (أي التشريع) إلى الولي الفقيه، الذي يعتبر بمثابة المشرّع والمقنّن، حيث يستطيع أن يشرّع لأحكام جديدة أو ينسخ أحكاما قديمة انطلاقا من مصلحة النظام، أي أنه يصبح مصدر القوانين. فحكم الولي الفقيه وتشخيصه يعتبران قانون المجتمع الإسلامي، كما أن مؤسسات النظام، بما فيها المؤسسة التشريعية، وأحكامها، لا تصبح شرعية ونافذة إلا بإذنه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات